في تصعيد دبلوماسي غير مسبوق بين تل أبيب ولندن، أبلغت إسرائيل القنصلية البريطانية في القدس الشرقية بضرورة إغلاقها خلال ثلاثين يوماً، مع سحب اعتماد الدبلوماسيين العاملين فيها، وذلك رداً على العقوبات البريطانية الجديدة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وتأتي هذه الخطوة في إطار سلسلة إجراءات انتقامية أعلنها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، تشمل إبعاد ممثلي بريطانيا من بعثة التنسيق الدولية بشأن غزة، وإنهاء برامج التدريب البريطانية لقوات الأمن الفلسطينية، ومنع دخول اثني عشر شخصية بريطانية بينهم أحد عشر نائباً في البرلمان.
أفاد مسؤولون إسرائيليون بأن القنصلية البريطانية في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية تلقت إخطاراً رسمياً بضرورة إغلاق أبوابها خلال شهر واحد، على أن يفقد الدبلوماسيون المعينون فيها اعتمادهم الدبلوماسي خلال الفترة ذاتها. وتُعد هذه القنصلية، التي يعود وجودها إلى عام 1839، الممثلية البريطانية المعتمدة لدى السلطة الفلسطينية، وتتولى شؤون الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، في حين يبقى السفير البريطاني مقيماً بشكل منفصل في السفارة البريطانية بتل أبيب.
وشملت حزمة الإجراءات الإسرائيلية ما يلي:
– طرد الدبلوماسيين البريطانيين: أُمهل الممثلون البريطانيون المشاركون في بعثة التنسيق بشأن غزة بقيادة الولايات المتحدة، إلى جانب الدبلوماسيين البريطانيين في رام الله، سبعة أيام فقط لمغادرة المنطقة.
– إنهاء مشاركة بريطانيا في تنسيق المساعدات: قررت إسرائيل إبعاد الممثلين البريطانيين من مركز المساعدات الدولي لغزة في “كريات غات” جنوب إسرائيل.
– وقف التدريب الأمني: أنهت إسرائيل البرامج البريطانية لتدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في رام الله.
– حظر دخول شخصيات بريطانية: منعت إسرائيل دخول اثني عشر شخصية بريطانية، بينهم أحد عشر نائباً في البرلمان، على رأسهم زعيم حزب العمال السابق جيريمي كوربين، والنائبات ديان آبيوت وناز شاه وجون مكدونيل وريتشارد بيرجون، بالإضافة إلى نواب من حزب الخضر.
جاءت الإجراءات الإسرائيلية رداً مباشراً على إعلان وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أمام مجلس العموم، الثلاثاء الماضي، فرض حظر على استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة، إلى جانب عقوبات تستهدف الشركات والأفراد المتورطين في توسيع المستوطنات.
وتشمل العقوبات البريطانية حظر استيراد جميع السلع من المستوطنات، ومنع الشركات من تقديم خدمات تتعلق بالبناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات والإعلانات المرتبطة بها، مع توقع بدء التنفيذ خلال ستة إلى تسعة أشهر. كما شملت الإجراءات تشديد حظر تصدير الأسلحة ليشمل تلك التي “تساهم بشكل مادي في الاحتلال”.
وقال ميليباند إن “مستوطنين إرهابيين” يرتكبون “تطهيراً عرقياً” بحق الفلسطينيين في مناطق بالضفة الغربية، متّهماً الحكومة الإسرائيلية بـ”غض الطرف” عن هذه الأعمال. وأكد أن الحكومة البريطانية تعتبر الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية “غير قانوني”.
وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الخطوة البريطانية بأنها “مشوهة أخلاقياً” وتشكل “تدخلاً سافراً في شؤون دولة ذات سيادة وفي عمليتها الانتخابية”. وقال إن “أي نشاط أجنبي في المنطقة يجب أن يتم عبر القنوات المعتمدة والمتفق عليها، ومن دون انتهاك سيادة إسرائيل”.
وأضاف ساعر: “إسرائيل ليس لديها شيء ضد الشعب البريطاني… لكن حكومة عمالية معادية تتولى السلطة وتعمل بشكل منهجي ضد دولة إسرائيل، ولم تترك لنا خياراً سوى الرد على أفعالها العدائية”. وحذّر من أن إسرائيل ستتخذ “إجراءات مضادة” ضد دول أخرى “تعمل أو ستعمل ضد إسرائيل”.
ومن جانبه أعرب وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند عن “خيبة أمله” من الرد الإسرائيلي، لكنه أكد أنه “لم يكن مفاجئاً”، وقال: “وازنا بين كلفة وفوائد التحرك. وخلصنا إلى أنه لا يمكننا ببساطة الوقوف مكتوفي الأيدي خوفاً من الرد الإسرائيلي”.
كذلك، دافع رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام عن القرار قائلاً أمام البرلمان: “على بريطانيا أن تقف من أجل العدالة ضد الظلم حيث يُطرد الناس من منازلهم… سنقف دائماً مع المستضعفين ونتخذ ما نستطيع من إجراءات لدعمهم”.
واجهت الحكومة البريطانية انتقادات من الحاخام الأكبر في بريطانيا إفرايم ميرفيس، الذي اتهمها بممارسة “سياسة الإيماءات” التي قد تعزز “التطرف الذي تسعى لمكافحته”. كما أعرب النائب المحافظ برنارد جينكين عن قلقه من تأثير القرار على التعاون في مكافحة الإرهاب.
انضمت فرنسا وكندا إلى بريطانيا في إعلان حظر استيراد منتجات المستوطنات، فيما أعلنت تسع دول أخرى بينها الدنمارك وفنلندا وأيسلندا وبولندا والبرتغال والسويد دعمها لمزيد من الإجراءات. وكانت دول مثل هولندا وأيرلندا وبلجيكا وإسبانيا والنرويج قد فرضت بالفعل قيوداً على تجارة المستوطنات أو شرعت في فرضها.
ورحبت الرئاسة الفلسطينية بقرار بريطانيا، ووصفته بأنه خطوة “مهمة” لمواجهة منظومة الاستيطان.
يشير المراقبون إلى أن هذه الأزمة تمثل واحدة من أخطر التوترات بين إسرائيل وحلفائها الغربيين منذ سنوات. وتشمل التداعيات المحتملة:
– تأثير على تنسيق المساعدات الإنسانية: قد يؤثر طرد الدبلوماسيين البريطانيين على جهود التنسيق الدولي لإيصال المساعدات إلى غزة.
– تعقيد العلاقات مع الحلفاء الغربيين: يأتي هذا التصعيد في وقت تواجه فيه إسرائيل عزلة دبلوماسية متزايدة بسبب الحرب في غزة والتوسع الاستيطاني.
– تداعيات قانونية محتملة: تشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن إسرائيل تدرك أن الخطوة قد تواجه اعتراضاً قانونياً من بريطانيا، التي لا تعترف بالسيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية.
– توسع دائرة الإجراءات: من المتوقع أن تناقش الحكومة الإسرائيلية إجراءات إضافية بحق دول أخرى دعمت التحرك البريطاني.
تعكس هذه الأزمة الدبلوماسية تحولاً نوعياً في العلاقات بين إسرائيل وحلفائها الغربيين، إذ انتقلت الخلافات من دائرة البيانات والانتقادات إلى إجراءات اقتصادية ودبلوماسية ملموسة. وبينما تصر بريطانيا على أن خطوتها تهدف لحماية حل الدولتين، ترى إسرائيل فيها تدخلاً غير مبرر يستدعي رداً حازماً. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الجولة من التصعيد ستؤدي إلى مزيد من التوتر أم ستفتح الباب أمام إعادة تقييم للعلاقات الثنائية.



