• Home  
  • الفسفور الأبيض: سلاح بلا قانون يحرق لبنان ويفتح معركة دولية جديدة
- تقارير محلية وإقليمية

الفسفور الأبيض: سلاح بلا قانون يحرق لبنان ويفتح معركة دولية جديدة

في تقرير دولي صدر حديثاً، كشفت منظمتا “هيومن رايتس ووتش” و”العيادة الدولية لحقوق الإنسان” في كلية الحقوق بجامعة هارفارد عن استخدام القوات الإسرائيلية لذخائر الفسفور الأبيض في جنوب لبنان خلال الفترة الممتدة بين آذار وأيار 2026، في 23 واقعة تم التحقق منها بشكل مستقل. وأكد التقرير، الذي حمل عنوان “حروق خارج السيطرة: الآثار اللاإنسانية لذخائر […]

في تقرير دولي صدر حديثاً، كشفت منظمتا “هيومن رايتس ووتش” و”العيادة الدولية لحقوق الإنسان” في كلية الحقوق بجامعة هارفارد عن استخدام القوات الإسرائيلية لذخائر الفسفور الأبيض في جنوب لبنان خلال الفترة الممتدة بين آذار وأيار 2026، في 23 واقعة تم التحقق منها بشكل مستقل. وأكد التقرير، الذي حمل عنوان “حروق خارج السيطرة: الآثار اللاإنسانية لذخائر الفسفور الأبيض والحاجة إلى قانون أقوى”، أن هذه الاستخدامات المتكررة تعزز الحاجة الملحة إلى قانون دولي جديد لتنظيم هذه الأسلحة المدمرة التي تترك آثاراً جسدية ونفسية واجتماعية واقتصادية مدى الحياة.

يقع التقرير في 45 صفحة، ويستند إلى تحليل قانوني شامل وتحقيقات ميدانية استندت إلى مصادر مفتوحة و16 مقابلة أجريت حضورياً وعن بُعد، بالإضافة إلى متابعة الإجراءات الدبلوماسية وأبحاث مكتبية معمقة. ويوثق التقرير بالتفصيل الأضرار المروعة التي تسببت بها هذه الذخائر في النزاعات المسلحة خلال السنوات الأخيرة، مع التركيز على الانتهاكات المرتبطة باستخدامها في لبنان.

ومن أبرز ما وثقه التقرير أن الباحث أحمد بيدون من جامعة دلفت الهولندية، المتخصص في التحقق مفتوح المصدر من استخدامات الفسفور الأبيض في لبنان، تمكن من توثيق 22 حادثة تضمنت استخدام 33 ذخيرة فسفور أبيض في هجمات إسرائيلية على المنطقة بين آذار وأيار 2026. وحدد الموقع الجغرافي لـ17 من تلك الحوادث في بلدات الخيام وعارنون ويحمر وزوتر . وقد تمكنت “هيومن رايتس ووتش” من التحقق بشكل مستقل وتحديد الموقع الجغرافي لهذه الحوادث، بالإضافة إلى حادثة أخرى تم الإبلاغ عنها في عام 2025. ويوثق الأرشيف الإلكتروني لمنصة “وايت فوسفورس دوت إنفو” ما مجموعه 286 “ضربة” فسفور أبيض في جنوب لبنان بين تشرين الأول 2023 وأيار 2026، باستخدام مقاطع فيديو وصور فوتوغرافية.

الآثار الإنسانية المدمرة

تحمل ذخائر الفسفور الأبيض آثاراً مروعة على ضحاياها، إذ تحترق بدرجات حرارة تصل إلى حوالي 815 درجة مئوية، وتنتج دخاناً أبيض كثيفاً يستمر لحوالي سبع دقائق. ويُشير التقرير إلى أن هذه الذخائر تُسبب حروقاً بالغة الألم، كما قد يحرق الفسفور الأبيض الناس حتى العظم، وأي جزيئات تبقى في الجرح قد تشتعل من جديد عند إزالة الضمادات وتعرضها للأوكسجين، مما يضاعف المعاناة.

وقالت بوني دوكيرتي، المستشارة الأولى في مجال الأسلحة في “هيومن رايتس ووتش” والمحاضِرة في العيادة الدولية لحقوق الإنسان بجامعة هارفارد: “قد تتسبب ذخائر الفسفور الأبيض بحروق بالغة الألم وأضرار جسدية ونفسية واجتماعية واقتصادية مدى الحياة. ينبغي للدول إدانة الاستخدام المستمر لهذه الذخائر، والدعوة إلى مزيد من المحادثات الدولية بشأنها، وضمان أن يتصدى القانون الدولي كما يجب للتكلفة البشرية غير المقبولة لهذه الأسلحة”.

الفراغ القانوني الخطير

على الرغم من الآثار الحارقة المدمرة لهذه الأسلحة، فإنها لا تخضع لأي معاهدة دولية محددة. فذخائر الفسفور الأبيض، التي تنفجر في الهواء فوق مناطق مأهولة، هي أسلحة عشوائية لا تميز بين المقاتلين والمدنيين، وبالتالي تنتهك القانون الدولي الإنساني العام. ومع ذلك، لا يشملها البروتوكول الثالث لعام 1980 الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية، والمخصص لتنظيم الأسلحة الحارقة.

ويُعرّف البروتوكول الأسلحة الحارقة بأنها “مصممة أساساً” لإشعال الحرائق وإحراق الناس، وهو تعريف يستثني الأسلحة المصممة لأغراض أخرى حتى لو أحدثت الآثار الحارقة نفسها. ولا يشمل هذا التعريف ذخائر الفسفور الأبيض لأنها مصممة أساساً لحجب العمليات العسكرية أو إضاءتها، مما يترك فراغاً قانونياً خطيراً. كما أن ذخائر الفسفور الأبيض لا تُعتبر أسلحة كيميائية لأنها لم تُصمم لتُستخدم بسبب سميتها، وبالتالي لا تشملها اتفاقية الأسلحة الكيميائية.

شرط مارتنز ومقتضيات الضمير العام

قيّمت “هيومن رايتس ووتش” وعيادة هارفارد ذخائر الفسفور الأبيض من منظور “شرط مارتنز”، وهو حكم في القانون الدولي الإنساني صاغه الدبلوماسي الروسي فريدريش مارتنز عام 1899، وينص على أنه عندما لا توجد معاهدة محددة بشأن موضوع ما، يظل المدنيون والمقاتلون محميين بمبادئ الإنسانية ومقتضيات الضمير العام.

وقالت المجموعتان في التقرير: “إن ذخائر الفسفور الأبيض تستدعي تطبيق شرط مارتنز، فالإصابات اللاإنسانية وصعبة العلاج التي تسببها لا تتوافق مع مبادئ الإنسانية”. وأشارتا إلى أن “اعتراضات الدول والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني والمهنيين الطبيين والمؤسسات المالية توفر أدلة على أن هذه الذخائر تتعارض مع مقتضيات الضمير العام، وأن هناك حاجة إلى قانون دولي أقوى ومحدد لمعالجة هذه المسائل”.

وأضافت دوكيرتي: “لقد أعرب الدبلوماسيون والأطباء ومحققو الأمم المتحدة وآخرون عن غضبهم من الإصابات القاسية التي تسببها ذخائر الفسفور الأبيض. لقد اعتمدت الدول معاهدات بشأن الغازات السامة والليزر المسبب للعمى لأنها لاإنسانية وتتنافى مع الضمير العام. وينبغي أن تفعل الشيء نفسه مع ذخائر الفسفور الأبيض”.

نمط متكرر من الاستخدامات

وفقاً للتقرير، فإن الاستخدامات الأخرى المبلغ عنها لذخائر الفسفور الأبيض منذ العام 2000 تشمل استخدامات متعددة من قبل قوات مختلفة في نزاعات متعددة، مما يكشف عن نمط متكرر يثير قلقاً دولياً متزايداً. وقد شملت هذه الاستخدامات: إسرائيل في غزة في 2008-2009 و2023؛ وقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا في 2017؛ وقوات التحالف بقيادة السعودية في اليمن في 2016؛ والقوات الإثيوبية في الصومال في 2007؛ وقوات حلف شمال الأطلسي ومعظمها أمريكية والقوات المناهضة للحكومة في أفغانستان بين 2005 و2011؛ والولايات المتحدة في العراق في 2004.

دعوات دولية للتحرك

دعت “هيومن رايتس ووتش” وعيادة هارفارد الدول إلى معالجة هذه القضية خلال اجتماعات نزع السلاح في الجمعية العامة للأمم المتحدة المقررة في تشرين الأول 2026 بنيويورك. كما دعت المنظمتان إلى إجراء محادثات دولية إضافية حول هذه الأسلحة، وضمان أن يتصدى القانون الدولي بشكل مناسب للتكلفة البشرية غير المقبولة.

ويأتي هذا التقرير في وقت تتزايد فيه الدعوات لتشديد الرقابة على هذه الأسلحة، حيث أعربت العشرات من الدول عن إدانتها للأضرار التي تسببها وطالبت بمناقشات مخصصة حول هذا الموضوع. وقد أعربت دول مثل أيرلندا وفلسطين والمجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي صراحة عن قلقها أو إدانتها لاستخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض في غزة ولبنان في 2023-2024.

يكشف هذا التقرير الدولي عن فجوة خطيرة في القانون الدولي الإنساني تسمح باستمرار استخدام أسلحة مدمرة تسبب معاناة لا توصف للمدنيين. فبينما تتعدد المعاهدات التي تحظر الأسلحة الكيميائية والليزر المسبب للعمى، يبقى الفسفور الأبيض في منطقة رمادية قانونية تتيح استخدامه رغم آثاره المروعة. وتشكل الدعوات المتزايدة لتشديد الرقابة على هذه الأسلحة اختباراً حقيقياً لإرادة المجتمع الدولي في حماية المدنيين وضمان احترام مبادئ الإنسانية والضمير العام في النزاعات المسلحة.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026