• Home  
  • مليون طفل على حافة الهاوية: أفغانستان تواجه أسوأ أزمة تغذية في تاريخها والعالم يتفرج
- تقارير دولية

مليون طفل على حافة الهاوية: أفغانستان تواجه أسوأ أزمة تغذية في تاريخها والعالم يتفرج

في مشهد يعجز الوصف عن نقله، تقف أم أفغانية شابة في أحد المراكز الصحية المتهالكة غرب العاصمة كابل، تحمل بين ذراعيها طفلها البالغ ثمانية أشهر وقد بدت أطرافه نحيلة كأعواد الثقاب، وعيناه غائرتان لا تكادان تفتحان. الطبيب يفحص الطفل بصمت، ثم يكتب في الملف كلمة واحدة تقرأها الأم بعينين دامعتين: “هزال حاد وخيم”. هذه الأم […]

في مشهد يعجز الوصف عن نقله، تقف أم أفغانية شابة في أحد المراكز الصحية المتهالكة غرب العاصمة كابل، تحمل بين ذراعيها طفلها البالغ ثمانية أشهر وقد بدت أطرافه نحيلة كأعواد الثقاب، وعيناه غائرتان لا تكادان تفتحان. الطبيب يفحص الطفل بصمت، ثم يكتب في الملف كلمة واحدة تقرأها الأم بعينين دامعتين: “هزال حاد وخيم”. هذه الأم ليست وحدها؛ فخلفها طابور طويل من الأمهات اللواتي يحملن أطفالاً يشبهون طفلها، ينتظرن دوراً في بلد ينهار بصمت.

في تحذير هو الأشد قسوة منذ اندلاع الأزمة الإنسانية في أفغانستان، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” اليوم الثلاثاء عن أرقام صادمة تضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته الأخلاقية، حيث يقف مليون طفل على حافة الموت المحقق جراء سوء التغذية الحاد الوخيم، في مأساة تتكشف فصولها يوماً بعد يوم وسط عجز دولي متزايد عن الاستجابة.

أرقام تكشف عمق الكارثة

وفي مؤتمر صحفي عقده تاج الدين أيوالي، ممثل اليونيسف في أفغانستان، من العاصمة كابل عبر تقنية الفيديو مع الصحفيين في جنيف، رسم صورة قاتمة للواقع الميداني، قائلاً بنبرة يخالطها القلق الشديد: “نحن أمام سباق مع الزمن، ففي غياب العلاج الفوري والتدخل السريع، فإن مليون طفل معرضون للموت خلال الأشهر المقبلة”.

وأوضح أيوالي أن 3.7 مليون طفل أفغاني يعانون حالياً من الهزال، وهو المؤشر الأخطر لسوء التغذية الحاد، من بينهم مليون طفل وصلوا إلى مرحلة سوء التغذية الحاد الوخيم، وهي المرحلة التي تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً لإنقاذ حياتهم. والأكثر إثارة للقلق، وفق المسؤول الأممي، أن الأطفال دون سن الثانية يمثلون أكثر من 80 في المئة من الحالات الحرجة المسجلة في مختلف أنحاء البلاد. هذه الفئة العمرية هي الأكثر هشاشة، حيث يتسبب نقص التغذية في هذه المرحلة المبكرة بأضرار عصبية وإدراكية لا يمكن تعويضها حتى لو نجا الطفل لاحقاً.

نظام صحي منهار وأمهات على حافة الانهيار

ولم تقتصر المأساة على الأطفال وحدهم، بل امتدت لتشمل الأمهات اللواتي يشكلن خط الدفاع الأول عن أبنائهن. فالأمهات اللواتي يعانين سوء التغذية الحاد يضعن مواليد يعانون انخفاضاً حاداً في الوزن، يكون معدل بقائهم على قيد الحياة متدنياً للغاية، خاصة في ظل الغياب شبه الكامل لوحدات الرعاية المركزة المخصصة للخدج في المستشفيات الأفغانية التي تعاني انهياراً شبه شامل في بنيتها التحتية.

وكشفت بيانات اليونيسف أن أكثر من نصف مليون طفل تم إدخالهم إلى المراكز الصحية منذ بداية العام الجاري بسبب الهزال وحده، في مؤشر على الاتساع المطرد لرقعة الأزمة. والأخطر من ذلك، أن الحالات المصحوبة بمضاعفات طبية خطيرة ارتفعت بنسبة تجاوزت الثلث مقارنة بالعام الماضي، مما يضاعف الضغط على منظومة صحية منهكة أصلاً.

عوامل متفاقمة تدفع نحو الهاوية

ويأتي هذا التحذير في سياق أزمة إنسانية مركبة تضرب البلاد من كل اتجاه. فقد أفاد برنامج الأغذية العالمي أن نحو 14 مليون أفغاني، من أصل 45 مليون نسمة، باتوا يعانون الجوع الحاد، نتيجة تراكم عوامل قاسية: زلازل مدمرة ضربت البلاد العام الماضي، وكوارث مناخية متعاقبة شهدتها الأشهر الأخيرة، إضافة إلى عودة ملايين الأفغان من إيران وباكستان منذ عام 2023، مما فاقم الضغط على الموارد الشحيحة أصلاً.

وتواجه جهود الإغاثة تحديات لوجستية خانقة، إذ أدى التوتر الحدودي مع باكستان وإغلاق شبه كامل للمعابر البرية منذ أكتوبر 2025 إلى تعطيل خطوط الإمداد الرئيسية. ورغم الإعلان عن وصول أكثر من 700 شاحنة محملة بالمساعدات في منتصف أغسطس، إلا أن الكميات الواصلة لا تزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية المتزايدة.

فجوة تمويلية قاتلة

ويكشف الجانب التمويلي عن الوجه الآخر للمأساة، فبرنامج التغذية التابع لليونيسف في أفغانستان يحتاج إلى 180 مليون دولار للعام الجاري، لكنه لم يحصل سوى على 22 في المئة فقط من هذا المبلغ. هذه الفجوة التمويلية الهائلة تعني عملياً أن آلاف الأطفال سيحرمون من العلاج المنقذ للحياة، ليس بسبب غياب الحلول التقنية أو الخبرات الميدانية، بل بسبب تقاعس المجتمع الدولي عن الوفاء بالتزاماته الإنسانية.

ومع دخول البلاد موسم الشتاء القارس، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى مستويات قياسية وتصبح القرى النائية معزولة تماماً، يحذر خبراء الإغاثة من أن الأسوأ لم يأت بعد. فالأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير مئات الآلاف من الأطفال، الذين تتوقف حياتهم على سرعة وحجم الاستجابة الدولية لهذا النداء الإنساني العاجل.

سباق مع الزمن

في خضم هذه الكارثة، تعمل فرق اليونيسف الميدانية على مدار الساعة لتوزيع الأغذية العلاجية الجاهزة، وإقامة مراكز استقرار للحالات الحرجة، وتدريب العاملين الصحيين المحليين. لكن الجهود تصطدم بواقع مرير: نقص التمويل، وصعوبة الوصول إلى المناطق النائية، وتدهور الأوضاع الأمنية في بعض الأقاليم. وكل يوم تأخير في توفير التمويل اللازم يعني ارتفاع عدد الأطفال الذين لن يتمكنوا من الصمود حتى وصول المساعدة.

ويختتم أيوالي تحذيره برسالة مباشرة إلى المجتمع الدولي: “هؤلاء الأطفال لم يرتكبوا أي ذنب. إنهم ضحايا ظروف لا علاقة لهم بها. السؤال ليس ما إذا كان بإمكاننا إنقاذهم، بل ما إذا كانت لدينا الإرادة الأخلاقية للقيام بذلك”.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026